
مقتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة لن يكون حدثاً عابراً, فهو في نظر أنصاره بطل وقائد ومجاهد عظيم, ومن الناحية الأخرى يعد أكثر إرهابي مطلوب للعدالة في أمريكا, وبعيداً عن مواقف البعض المؤيدة والمعارضة له, سيظل بن لادن لغزاً في حد ذاته لذكائه الشديد في تجنب الوقوع في شباك المخابرات العالمية التي كانت تطارده لمدة تقارب عقد من الزمان, وهو ما يمثل فشلاً ذريعاً لها بما في ذلك الاستخبارات الأمريكية, وصولاً إلي إعلان أوباما مؤخراً عن مقتله وسط شكوك وعلامات استفهام كثيرة, وحتى إن صدقت الرواية الأمريكية التي فضلت تقديمه وجبة شهية لأسماك القرش, سيظل بن لادن الرجل الذي حيّر العالم وهو علي قيد الحياة, وأصابه بالحيرة أكثر بعد إعلان مقتله, ليصبح بن لادن "الرجل اللغز" في التاريخ .
سر 2 مايو
فور الإعلان عن مقتل بن لادن أعلنت الدول الغربية عن تشديد إجراءاتها الأمنية ورفع مستوي الطوارئ خاصة في الأماكن والمنشآت الحيوية كالمفاعلات النووية والبرلمانات والسكك الحديدية والموانئ, خوفاً من هجمات انتقامية محتملة من تنظيم القاعدة رداً علي مقتل "قائده".
وفي مشهد نادراً ما نراه, احتفل آلاف المواطنين الأمريكيين ابتهاجاًُ بمقتل بن لادن كجزاء طبيعي له بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001, والذي اتهمته الإدارة الأمريكية السابقة بأنه الرأس المدبر لها, ووضعته علي رأس قائمة المطلوبين للعدالة, وفي نفس الصدد لم تختلف تعليقات الزعماء الغربيون عن بعضها, حيث أكدوا أن مقتل بن لادن "انجازاً تاريخياً" وأنه مصدر ارتياح كبير, وأن القاعدة أصبحت غير قادرة علي مواصلة عملياتها, كما أكدوا أيضاً علي استمرار العمليات العسكرية في أفغانستان رغم مقتل بن لادن.
وعلي الجانب الآخر, رفض أنصار بن لادن بشدة هذه الأخبار, خاصة في ظل عدم صدور بيان رسمي من تنظيم القاعدة حول تأكيد وفاة بن لادن من عدمها من خلال "مركز الفجر للإعلام" وهي المؤسسة الإعلامية الرسمية لتنظيم القاعدة, كما شكك العديد من النشطاء في الصورة التي نُشرت له, خاصة أنها تبدو منذ الوهلة الأولي "مفبركة" وغير حقيقية, لأن بن لادن في أقدم صورة نُشرت له وهو علي قيد الحياة كانت تبدو أكبر سناً ويغطي الشيب لحيته, علي عكس الصورة التي نشرت له بعد مقتله, ووصل الأمر لمطالبة الكونجرس الأميركي إدارة الرئيس أوباما بتقديم صور وأدلة قاطعة لرفع الشكوك عن واشنطن, وجاء رفض أوباما لنشر صور مقتل بن لادن تحت دعوي وجود دواعي أمنية وراء القرار, وأن عدم نشرها يأتي لتجنب العنف, ليمثل دعماً جديداً لفرضية عدم مقتله.
كما استغرب أنصاره أن يتم دفنه في البحر, بالإضافة إلي أن أفغانستان لا يوجد بها بحر علي الإطلاق, إلا أن التقارير الأمريكية تؤكد أنه تم دفن بن لادن ببحر العرب الذي يطل علي الحدود الباكستانية من الشمال, وتشير تقارير أخري إلي دفنه ببحر عمان بعد تكفينه وفقاً للشريعة الإسلامية, إلا أن أنصار بن لادن استنكروا أن يتم دفنه في البحر, مشددين علي أن ذلك يخالف التعاليم الإسلامية, خاصة وأن للجثة احترام سواء كانت لشخص تم اغتياله أو نتيجة لوفاة طبيعية, وأنه كان من الأولي أن يتم دفنه بمسقط رأسه بالمملكة السعودية, مهددين بضربات وتفجيرات انتقامية, هذا إذا كان قُتل حقاً.
كما اتهم أنصار بن لادن الرئيس الأمريكي باستغلال الحدث كدعاية انتخابية له للترشح لفترة رئاسية جديدة, وترددت عدة أسئلة حول أسباب هذا الإعلان في هذا الوقت تحديداُ, خاصة في ظل الظروف والثورات العربية.
ذهب البعض للتساؤل حول مدي ارتباط هذا الإعلان تحديداً بيوم 2 مايو, وهو اليوم الذي أعلنت الإذاعة الألمانية فيه وفاة الزعيم النازي " أدولف هتلر" كما أن إعلان وفاة بن لادن كانت في نفس اليوم أيضاً, فهل هذا من محض الصدفة؟ أم أنه هناك علاقة خفية بين إعلان وفاتهم في نفس اليوم؟ أم أنها من عجائب القدر؟!!.
الشراكة والعداء
ولد أسامة بن لادن في مارس عام 1957بالسعودية, ورث ثروة طائلة بعد وفاة والده في حادث تحطم طائرة, اعتمد علي ثروته في دعم المجاهدين ضد غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان عام 1979, ودعمته وقتها عدة دول منها أمريكا وباكستان والسعودية.
في أواخر الثمانينات أسس بن لادن تنظيم القاعدة مع مساعده أيمن الظواهري, لتحويل التنظيم من المحلية إلي العالمية, وتميزت هذه الفترة بالعداء بينه وبين أمريكا, خاصة بعد دعم أمريكا للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين, وهو الأمر الذي أكده بن لادن في تسجيلاته الصوتية, ومع تزايد الصراع بين القاعدة وأمريكا, اشتد العداء الدموي بينهما وهو ما تمثل في تفجيرات الحادي عشر من ديسمبر 2001, والتي راح ضحيتها 3000 شخص بالإضافة للعديد من التفجيرات في العديد من الدول الأوروبية.
وبالرغم من إشادة بن لادن بهذه التفجيرات, واعتبارها رداً انتقامياً علي التجاوزات ضد المسلمين في الشيشان وفلسطين وكشمير والعراق, إلا أنه نفي صلة تنظيم القاعدة بها, ومنذ هذه الأحداث وأمريكا تلاحق بن لادن لمدة 10 سنوات لم تنجح خلالها في تعقبه, وهي الفترة التي أصبح بن لادن "زعيماً روحياً" للتنظيم الذي يقوم علي وحدة الفكرة, بعيداً عن الوحدات التنظيمية المتعارف عليها.